بدأت بدوار مفاجئ… وانتهت بتشخيص جلطة رئوية خطيرة

في أحد أيام عطلة نهاية الأسبوع، سيده صينية في العقد السابع من عمرها ، استيقضت من النوم وجلست تتصفح هاتفها المحمول.
بعد فترة ذهبت إلى دورة المياه، فجأة شعرت بدوار شديد لم يكن يشبه أي دوخة عادية. الأشياء تدور من حولها، مع غثيان وقيء وشعور بالضيق في الصدر (هذا حسب وصفها).
طبعاً كانت تعاني مسبقاً من نوبات دوار مرتبطة بمرض منيير (Ménière’s Disease)، لذلك ظنت في البداية أن الأمر قد يكون مشابهاً لما تعرضت له من قبل. لكن أفراد أسرتها لاحظوا أن هذه المرة الوضع مختلف ؛ بالإضافة إلى الدوار الشديد، كانت تعاني من غثيان متكرر وضيق في الصدر وتدهور واضح في حالتها العامة.
ابنتها على طول طلبت الإسعاف وتم نقلها إلى قسم الطوارئ.
عند وصولها إلى المستشفى، الفحوصات الأولية أظهرت أن ضغط الدم منخفضاً بشكل واضح (86/61 ملم زئبق)، كما أظهرت تحاليل غازات الدم ارتفاع مستوى اللاكتات وحدوث اضطراب في توازن الحموضة، وهذه مؤشرات تدل على أن أعضاء الجسم لا تحصل على التروية الدموية الكافية.
في قسم الطوارئ بعد استبعاد احتشاء عضلة القلب من خلال التخطيط والفحوصات اللازمة، تم إجراء تصوير مقطعي للشرايين الرئوية.
وهنا ظهر السبب الحقيقي.
فقد أظهرت الاشعة المقطعية وجود جلطة دموية كبيرة تسد الشريان الرئوي الأيسر، مع وجود جلطات أخرى في فروع الشريان الرئوي الأيمن.
ولمعرفة مصدر هذه الجلطات، تم إجراء تصوير بالموجات فوق الصوتية لأوردة الساقين، والذي كشف وجود خثرات دموية في أوردة الساق اليسرى.
التفسير الأقرب لهذه الحالة هو: أن هذه الجلطات تشكلت أولاً في أوردة الساق، ثم انفصل جزء منها وانتقل مع مجرى الدم عبر القلب ليستقر في الشريان الرئوي، مسبباً ما يُعرف بالانصمام الرئوي (Pulmonary Embolism).
ونظراً لخطورة الحالة، تم الاستدعاء لنا بشكل عاجل.
بعد ذلك خضعت المريضة لإجراء تداخلي عبر القسطرة الطرفية، شمل تصوير الشرايين الرئوية، وتفتيت الجلطات، وإعطاء أدوية مذيبة للخثرة مباشرة داخل الشريان الرئوي، إضافة إلى وضع مرشح في الوريد الأجوف السفلي للمساعدة في منع انتقال جلطات جديدة إلى الرئتين.
وخلال العملية، لوحظ تحسن تدريجي في العلامات الحيوية؛ إذ بدأ ضغط الدم بالارتفاع تدريجياً، بينما انخفض معدل ضربات القلب، وهو ما يشير إلى تحسن تدفق الدم عبر الرئتين وتراجع العبء الواقع على القلب.
بعد العملية استمرت المريضة على العلاج المانع للتخثر وفق الخطة العلاجية المقررة.
وبعد نحو شهرين من المتابعة، أظهرت الفحوصات تحسناً واضحاً؛ إذ انخفضت كمية الجلطات داخل الشرايين الرئوية بشكل كبير، وعادت التروية الدموية للرئتين إلى وضع أفضل، كما أظهرت فحوصات أوردة الساقين تحسن تدفق الدم واختفاء علامات الانسداد الحاد.
ما الذي نتعلمه من هذه الحالة؟
لا تظهر الجلطة الرئوية دائماً بالأعراض التي يتوقعها الناس.
ففي حين يربط كثيرون هذه الحالة بألم الصدر أو السعال المصحوب بالدم، قد تكون العلامات الأولى أكثر غموضاً، مثل:
- الدوخة المفاجئة.
- ضيق التنفس أو الشعور بالاختناق.
- الخفقان وتسارع ضربات القلب.
- التعرق الشديد.
- التعب المفاجئ.
- انخفاض ضغط الدم.
- تورم إحدى الساقين أو الشعور بألم فيها.
ولهذا السبب، فإن تجاهل الأعراض غير المعتادة أو تأخير طلب الرعاية الطبية قد يؤدي إلى عواقب خطيرة.
رسالة أخيرة
في هذه القصة، كان تصرف الأسرة السريع عاملاً مهماً في إنقاذ المريضة. فبعض الحالات الخطيرة لا تمنح المريض وقتاً طويلاً للانتظار، وكل دقيقة قد تكون مهمة.
لذلك، إذا ظهر دوار شديد مفاجئ أو ضيق في الصدر أو صعوبة في التنفس، خاصة لدى كبار السن أو المرضى الذين لديهم عوامل خطورة للجلطات، فمن الضروري طلب التقييم الطبي دون تأخير. فأحياناً لا تكون الدوخة مجرد دوخة، بل قد تكون إشارة إلى وجود جلطة تسد أحد أهم الشرايين في الجسم.






