أمراض شائعةمقالات طبية
التزرق الشبكي: مظهر جلدي غير نوعي

التزرق الشبكي (Livedo reticularis) يُقصد به “بقع جلدية مزرقة موزعة بنمط شبكي”.
يُعد التزرق الشبكي علامة جلدية غير نوعية، أي أنه لا يشير إلى مرض واحد بعينه، بل قد يظهر في حالات بسيطة عابرة مثل التعرض للبرد، كما قد يكون أحياناً انعكاساً لاضطرابات وعائية أو تخثرية أو مناعية تحتاج إلى تقييم أدق.
في عام 1907 وصف إيرمان نوعين من التزرق: التزرق العُنقودي (Livedo racemosa)، ويُقصد به النمط الشبكي غير الكامل والمتكسّر؛ والتزرق الشبكي (Livedo reticularis)، ويُقصد به النمط الشبكي الكامل وغير المتكسّر.
تقليدياً، يُعد التزرق العُنقودي أقرب إلى التزرق المرضي، بينما يُعد التزرق الشبكي المنتظم أقرب إلى التزرق غير المرضي أو الفسيولوجي. لكن في الممارسة السريرية لا يوجد دائماً تمييز واضح بين النمطين، وغالباً ما تُستخدم تسمية “التزرق الشبكي” لوصف هذه الأنماط الشبكية من التغيرات الجلدية بشكل عام.( صورة ١)
وبالمعنى الواسع، يمكن تقسيم التزرق إلى تزرق فسيولوجي وتزرق مرضي.( صورة ٢)
هذا التعريف مبني على مدى انتشار التزرق وثبات نمطه، وليس على نوع التزرق نفسه. وبحسب عرض التزرق، أقل أو أكثر من 10 مم؛ يمكن تقسيمه أكثر إلى تزرق عُنقودي كبير /دقيق، وتزرق شبكي كبير /دقيق. لكن لا يُعرف حتى الآن ما إذا كان عرض التزرق يشارك فعلاً في الآفات الجلدية المشاهدة.( صورة ٣)
بعض الأدوية، مثل الأمانتادين (Amantadine) المستخدم في علاج مرض باركنسون (Parkinson’s disease) والتصلب المتعدد (Multiple sclerosis)، وكذلك بعض لقاحات كوفيد-19 (COVID-19 vaccines)، قد تؤدي إلى التزرق الشبكي. وفي هذه الحالات، لا تُظهر خزعة الجلد وجود التهابات وعائية، ويُعتقد أن ذلك يحدث بصورة ثانوية نتيجة اضطراب تنظيم توتر الأوعية الدموية المرتبط بالكاتيكولامينات (Catecholamines).
كما توجد تقارير عن حدوث التزرق الشبكي بسبب عدوى مثل كوفيد-19 (COVID-19).( صورة ٤)
⸻
1. معدل الانتشار
في عام 1965 وصف سنيدون لأول مرة العلاقة بين التزرق الشبكي والحوادث الدماغية الوعائية.
حيث يمكن أن يُشاهد التزرق في عدد من الأمراض الوعائية والمناعية والتخثرية والدموية، مثل اعتلال الأوعية الشبيه بالتزرق (Livedoid vasculopathy)، والذئبة الحمامية الجهازية (Systemic lupus erythematosus) المصحوبة أو غير المصحوبة بمتلازمة أضداد الفوسفوليبيد، والتهاب الأوعية الخثاري الانسدادي أو مرض بورغر (Thromboangiitis obliterans)، ونقص الصفائح الأولي (Primary thrombocytopenia)، والتهاب الشرايين العقدي (Polyarteritis nodosa)، وكثرة الحمر الحقيقية (Polycythemia vera).( صورة ٥)
ورغم أن التزرق قد يظهر أحياناً بصورة مجهولة السبب، كما في بعض حالات متلازمة سنيدون (Sneddon’s syndrome)، إلا أن متلازمة أضداد الفوسفوليبيد (Antiphospholipid syndrome) تُعد من أكثر الحالات ارتباطاً بالتزرق. وقد اعتبر هيوز أن التزرق قد يدخل ضمن متلازمات سريرية تشمل التخثرات الشريانية والوريدية، والإجهاض التلقائي، والأعراض العصبية، ونقص الصفائح الدموية.
ويُعدّ التزرق أكثر الآفات الجلدية شيوعاً في متلازمة أضداد الفوسفوليبيد (Antiphospholipid syndrome, APS)، إذ وجد فرانسيس وآخرون أنه يظهر لدى 25.5% من مرضى هذه المتلازمة. كما أظهرت دراسة أخرى وجوده لدى 40% من مرضى المتلازمة الأولية، ولدى 70% من مرضى المتلازمة المصحوبة بالذئبة الحمامية الجهازية (Systemic lupus erythematosus, SLE).
ويرتبط التزرق ارتباطاً قوياً بأضداد الكارديوليبين (Anticardiolipin antibodies, aCL). فقد وجد وينشتاين وآخرون أن التزرق يظهر لدى 50% من مرضى الذئبة الحمامية الجهازية (Systemic lupus erythematosus, SLE)، وأن أضداد الكارديوليبين من نوع IgG ترتبط بوضوح بالتزرق المتوسط إلى الشديد، بينما لم يظهر فرق واضح في مضاد التخثر الذئبي (Lupus anticoagulant) بين المرضى المصابين بالتزرق وغير المصابين به. كما يرى بعض الباحثين أن التزرق الشبكي قد يكون علامة على متلازمة أضداد الفوسفوليبيد سلبية المصل، أو ما يُعرف بمتلازمة هيوز (Hughes syndrome).
( صورة ٦)
⸻
2. الجوانب السريرية
ُيعدّ التزرق الشبكي مؤشراً سريرياً مستقلاً قد يرتبط بالتخثرات الشريانية والوريدية، وبأحداث الحمل غير المرغوبة، كما قد يكون مرتبطاً بتسارع تصلب الشرايين.
⸻
2.1 التخثرات الشريانية والوريدية
حتى مع عدم أخذ حالة أضداد الفوسفوليبيد (Antiphospholipid antibodies, aPL) بعين الاعتبار، يمكن أن تظهر التخثرات الشريانية والوريدية لدى مرضى التزرق. وقد كان سنيدون أول من وصف العلاقة بين التزرق والسكتة الدماغية. ووصف فرانسيس وآخرون 46 حالة من التزرق، كان 27 منها سلبية لأضداد الفوسفوليبيد؛ ومع ذلك، ظهرت التخثرات الشريانية والوريدية في المجموعتين الإيجابية والسلبية لهذه الأضداد، كما أظهرت خزعات الجلد في كلتا المجموعتين وجود انسداد شرياني.
كما أشار فرانسيس وآخرون إلى ارتباط التزرق بالصرع، وعيوب صمامات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وظاهرة رينو (Raynaud phenomenon). ووجدت إحدى الدراسات أن تضيق الشريان الكلوي لدى مرضى متلازمة أضداد الفوسفوليبيد (Antiphospholipid syndrome, APS) يرتبط بالتزرق. كذلك وجد توبي وآخرون أن مرضى هذه المتلازمة المصحوبة بالتزرق لديهم معدلات أعلى من الصداع النصفي، والسكتة الدماغية، والصرع.
(صورة ٧)
⸻
2.2 أحداث الحمل
يبدو أن أحداث الحمل غير المرغوبة أكثر حدوثاً لدى مريضات الذئبة الحمامية الجهازية (Systemic lupus erythematosus, SLE) المصابات بالتزرق، حتى عندما تكون فحوص أضداد الفوسفوليبيد (Antiphospholipid antibodies, aPL) سلبية. وقد وجد فرانسيس وآخرون أن الإجهاض كان أكثر شيوعاً لدى مرضى التزرق، سواء وُجدت أضداد الفوسفوليبيد أم لم توجد. لذلك، قد يكون التزرق علامة مستقلة مرتبطة بالإجهاض، حتى عند المرضى الذين لا تظهر لديهم أضداد الفوسفوليبيد في التحاليل المخبرية.
⸻
2.3 تسارع تصلب الشرايين
أظهرت دراسات سابقة أن بعض مرضى التزرق لديهم اضطراب في مؤشر الضغط الكاحلي العضدي (Ankle-brachial pressure index)، واضطراب في سرعة موجة النبض (Pulse wave velocity)، وهو ما يشير إلى أن خلل وظيفة الأوعية الدموية قد يكون مرتبطاً بحدوث التزرق.
(صورة ٨)
⸻
2.4 اعتلال الأوعية الشبيه بالتزرق
قد يظهر التزرق على شكل تقرحات جلدية، أي ما يُعرف بتقرحات التزرق الشبكي، ويمكن أن يُشاهد ذلك في اعتلال الأوعية الشبيه بالتزرق (Livedoid vasculopathy).
غالباً ما يصيب الساقين، ويكون أكثر شيوعاً في فصل الصيف. ويمكن أن يصيب جميع الفئات العمرية، لكنه يُشاهد أكثر لدى النساء الشابات.
يبدأ عادةً على شكل حطاطات مؤلمة، ثم يتطور تدريجياً إلى تقرحات، وبعد الشفاء يترك ندبات بيضاء خزفية تُسمى الضمور الأبيض (Atrophie blanche).
(صورة ٩)
⸻
3. الآلية المرضية الفيزيولوجية
لا تزال الآلية الدقيقة غير واضحة. وتختلف نتائج الخزعة بحسب موضع أخذ العينة. وقد وجد وولراب وآخرون أن أخذ العينة من مركز منطقة التزرق يكون ذا قيمة تشخيصية أكبر.
وتتشابه المظاهر النسيجية للتزرق في متلازمة أضداد الفوسفوليبيد الأولية (Primary antiphospholipid syndrome) ومتلازمة أضداد الفوسفوليبيد المصاحبة للذئبة الحمامية الجهازية (SLE-associated antiphospholipid syndrome).
وقد أبلغ زيلغر وآخرون عن 15 حالة من متلازمة سنيدون (Sneddon’s syndrome)، خضع 12 مريضاً منها لخزعة جلدية. وأظهرت الخزعات إصابة الشرايين الصغيرة إلى متوسطة الحجم عند منطقة الاتصال بين الأدمة والنسيج تحت الجلد. وقد قُسّمت الآفات الجلدية إلى أربع مراحل:
المرحلة الأولى:
تتميّز بارتشاح لمفاوي ـ نسيجي (ارتشاح من خلايا لمفاوية وخلايا نسيجية، Lymphohistiocytic infiltration)، مع انفصال الخلايا البطانية، وهو ما يُعرف بالتهاب باطنة الوعاء (التهاب الطبقة الداخلية المبطنة للوعاء الدموي، Endovasculitis).
المرحلة الثانية:
يحدث انسداد جزئي أو كامل في لمعة الوعاء الدموي (التجويف الداخلي للوعاء الذي يمر الدم من خلاله، Vascular lumen)، بسبب الارتشاح اللمفاوي ـ النسيجي والخثرات الفيبرينية (خثرات مكوّنة من الفيبرين، Fibrin thrombi).
المرحلة الثالثة:
تُستبدل الخثرة داخل الوعاء المسدود بتكاثر خلايا تحت بطانية (تكاثر خلايا تحت الطبقة المبطنة للوعاء، Subendothelial cellular proliferation)، مع توسّع الغلالة الخارجية للشريان (الطبقة الخارجية من جدار الشريان، Arterial adventitia).
المرحلة الرابعة:
يحدث تليّف وانكماش في الوعاء المصاب
(صورة ١٠)
درس سيب وآخرون عينات جلدية مأخوذة من 18 حالة من متلازمة سنيدون (Sneddon’s syndrome)، ووجدوا أن الخلايا السائدة ضمن الارتشاح الالتهابي في المراحل المبكرة كانت في معظمها خلايا موجبة لـ CD3+ وUCHL-1+ وHLA-DR+. أما في المراحل المتأخرة، فكان ظهور الخلايا البطانية والكريات البيضاء قليلاً. وتشير هذه النتائج إلى احتمال مشاركة آليات التهابية و/أو مناعية في حدوث التزرق.
أما في اعتلال الأوعية الشبيه بالتزرق (Livedoid vasculopathy)، فتشمل المظاهر النسيجية المرضية المميزة زيادة سماكة جدران الأوعية الدموية في الأدمة السطحية أو حدوث تبدل هياليني/زجاجي فيها (Hyaline change/Hyalinization)، مع تشكّل خثرات هيالينية داخل تجويف الوعاء الدموي (Intraluminal hyaline thrombi). وفي بعض الحالات، يمكن ملاحظة تسرّب كريات الدم الحمراء خارج الأوعية (Red blood cell extravasation)، إضافةً إلى ارتشاح لمفاوي حول الأوعية الدموية (Perivascular lymphocytic infiltration).
وبصورة عامة، فإن المظاهر النسيجية المرضية للتزرق الشبكي (Livedo reticularis) متباينة إلى حد كبير؛ إذ قد تشمل الالتهاب، والخثار، والتبدلات الهيالينية/الزجاجية (Hyaline changes)، والتغيرات المناعية المرضية (Immunopathological changes). وهذا يشير إلى أن حدوث التزرق الشبكي قد ينطوي على آليات مرضية متعددة.
(صورة ١١)
⸻
4. العلاج
لا يوجد حتى الآن نظام علاجي معياري واضح. ونظراً لزيادة خطر الحوادث الدماغية الوعائية والتخثرات الشريانية والوريدية، يُنصح غالباً بتصحيح عوامل الخطورة التقليدية؛ إذ يمكن التفكير في إنقاص الوزن، وخفض الدهون، وضبط ضغط الدم، وتدبير السكري، والإقلاع عن التدخين، وتجنب الإستروجين، مثل موانع الحمل الفموية أو العلاج الهرموني التعويضي.
وقد جُرّبت بعض الأدوية وقائياً، مثل مضادات الصفائح، ومنها الأسبرين بجرعات منخفضة، والكلوبيدوغريل (Clopidogrel)، والديبيريدامول (Dipyridamole)، إضافةً إلى موسعات الأوعية مثل النيفيديبين (Nifedipine)، والبنتوكسيفيلين (Pentoxifylline)، إلا أن فعاليتها كانت متفاوتة.
وقد أظهر الهيبارين منخفض الوزن الجزيئي (Low molecular weight heparin) ومضادات التخثر الفموية (Oral anticoagulants) نتائج إيجابية في بعض الحالات.أما التقرحات الشبيهة بالتزرق، فغالباً ما تكون مقاومة للعلاج. ويبدو أن فائدة الستيرويدات الجهازية (Systemic corticosteroids)
أو الحقن داخل الجلد محدودة.
وقد وُصفت حالات نجح فيها استخدام منشّط مولّد البلازمين النسيجي المؤتلف (Recombinant tissue plasminogen activator, rt-PA؛ المؤتلف أي المُنتَج بتقنيات الهندسة الوراثية) لعلاج بعض المرضى المصابين باعتلال الأوعية الشبيه بالتزرق المقاوم للعلاج. كما توجد تقارير تشير إلى نجاح استخدام الغلوبولين المناعي الوريدي (Intravenous immunoglobulin, IVIG) والأكسجين عالي الضغط (Hyperbaric oxygen therapy) في بعض الحالات.
(صورة ١٢ )
⸻
5. الخاتمة
يُعدّ التزرق الشبكي مظهراً سريرياً غير نوعي؛ إذ ترتبط مظاهره السريرية بتوزّع الجهاز الوعائي الجلدي وخصائص المفاغرات بين الأوعية. وتشمل آلياته المرضية اضطرابات التخثر، والانسداد الخثاري في الأوعية الشريانية أو الوريدية الناجم عن عوامل مناعية. لذلك، فإن جميع العوامل التي تؤثر في عملية التخثر أو الانسداد الوعائي قد تظهر سريرياً على هيئة تزرق شبكي. وحتى الآن، لا يوجد نظام علاجي معياري واضح لهذه الحالة.
وغالباً ما يظهر التزرق الشبكي بوصفه واحداً من المظاهر الجلدية غير النوعية في أمراض مثل اعتلال الأوعية الشبيه بالتزرق (Livedoid vasculopathy)، والتهاب الشرايين العقدي (Polyarteritis nodosa)، وغيرها. لذلك يصعب تقديم عرض شامل لكل جوانبه في مقال واحد، وقد اكتفى هذا المقال بتقديم تعريف موجز به، ويمكن للزملاء المهتمين الرجوع إلى الأدبيات الطبية لمزيد من التوسع.
تنبيه:
هذا المقال مترجم مخصص للتثقيف والتبادل العلمي. من لديه أعراض سريرية مشابهة أو آفات جلدية مستمرة أو مؤلمة، فعليه مراجعة الطبيب في الوقت المناسب.
















