تدخلات الأشعة التداخلية

تأثير بواسون وأثره في زراعة الدعامات في الوريد الحرقفي

خلال مؤتمر أطباء جراحة الأوعية الدموية التابع لجمعية الأطباء في مقاطعة تشجيانغ لعام 2026، شارك أحد الأطباء بموضوع تحت عنوان: “ظاهرة بواسون المرتبطة بدعامات الوريد الحرقفي واستراتيجيات التعامل معها”، وقد أثار هذا الطرح اهتمامي، ودفعني إلى مراجعة الحالات التي سبق أن قمت بمعالجتها، وإعادة النظر في بعض التفاصيل التقنية والميكانيكية المرتبطة بزراعة الدعامات الوريدية في هذه المنطقة. إذ إن كثيراً من النجاحات أو الإشكالات التي نراها بعد التداخل لا تتعلق فقط بفتح الوعاء الدموي أو عبور الآفة، بل قد تكون مرتبطة أيضاً بتغيرات هندسية وميكانيكية أدق، لا تحظى دائماً بالاهتمام الكافي أثناء التخطيط أو أثناء الإجراء نفسه.
في أحد المقالات السابقة كنت قد تناولنت موضوع متلازمة انضغاط الوريد الحرقفي
(Iliac Vein Compression Syndrome)،
وهي الحالة التي تُعرف أيضاً في بعض المراجع باسم May-Thurner Syndrome أو Cockett Syndrome،
وتحدثنا عن دلالتها السريرية، وكيف يمكن أن تؤدي إلى إعاقة رجوع الدم الوريدي نتيجة انضغاط الوريد الحرقفي، وما قد يترتب على ذلك من أعراض ومضاعفات قد تستدعي التدخل العلاجي.
ومع التوسع في استخدام الدعامات الوريدية لعلاج هذه الحالة، أصبح من الضروري ألا يقتصر اهتمامنا على التشخيص وقرار التدخل فقط، بل أن يمتد أيضاً إلى فهم التغيرات البيوميكانيكية التي قد تحدث بعد زراعة الدعامة، ومنها ما يُعرف بظاهرة بواسون ِلما قد يكون لها من انعكاسٍ مباشر على الشكل الهندسي للوريد، وعلى التوافق القُطري بين المقاطع الوريدية المجاورة للدعامة، وعلى نفاذية الدعامة ونتائجها السريرية على المدى القريب والبعيد.
يُعرَف تأثير بواسون بالإنجليزية باسم Poisson effect، وهو ظاهرة ميكانيكية تصف ميل المادة أو النسيج إلى أن يغيّر أبعاده في اتجاهٍ آخر عندما يتعرّض لقوة في اتجاهٍ معيّن. فحين يحدث تمدد أو شد في محورٍ ما، قد يظهر انكماش أو تغيّر في المحور العمودي عليه، والعكس صحيح. وفي سياق الأوردة، لا يبقى تأثير القوة محصوراً في الموضع الذي تم توسيعه فقط، بل قد ينعكس أيضاً على المقاطع المجاورة غير المدعّمة.
فخلال التداخلات الوريدية، تكتسب هذه الظاهرة أهمية خاصة لأن الأوردة تختلف ميكانيكياً عن الشرايين؛ فهي أكثر قابليةً للتشوّه تحت تأثير القوى الخارجية والداخلية. وقد أوضحت المراجعات البيوميكانيكية أن التضيق المجاور الذي يُشاهَد بعد التوسيع بالبالون أو بعد زرع الدعامة ليس مجرد ملاحظة عرضية، بل يمكن تفسيره على أنه نتيجة لإعادة توزيع القوة الشعاعية إلى اتجاه طولي، أي نتيجة مباشرة لتأثير بواسون. كما تشير هذه المراجعات إلى أن هذا التأثير قد يكون في الأوردة أوضح منه في الشرايين.
وتظهر أهمية ذلك بشكل واضح في الوريد الحرقفي. فعند زرع دعامة في الوريد الحرقفي المشترك أو الخارجي لعلاج التضيق أو الانسداد، قد لا يقتصر الأثر على فتح موضع الآفة فقط، بل قد تحدث تغيّرات حادّة في أبعاد الوريد الحرقفي الخارجي أو في القطعة المجاورة غير المدعّمة. وقد وصفت بعض الدراسات السريرية حدوث تضيق أو تغيّر ملحوظ في أبعاد الوريد الحرقفي الخارجي بعد وضع دعامة قريبة في الوريد الحرقفي المشترك، ما يدعم أن الأمر ليس مجرد انطباع تصويري، بل ظاهرة ذات أساس ميكانيكي حقيقي.
والمشكلة هنا أن نجاح الدعامة لا يُقاس فقط بمدى اتساع موضع التضيق الأصلي، بل أيضاً بقدرة الدم الوريدي على الدخول إلى الدعامة والخروج منها بسلاسة. فإذا أدى تأثير بواسون أو التوسيع المفرط إلى تضييق القطعة المجاورة، فقد يحدث ما يشبه عدم التوافق بين قطر الدعامة وقطر الوريد الداخل إليها، وهو ما قد يضعف الجريان الوارد (inflow), ويزيد اضطراب الجريان الدموي ، ويرفع احتمال فقدان النفاذية أو الحاجة إلى إعادة التداخل مرة أخرى .
تشير بعض الدراسات الحديثة حول الآفات الخثارية في الوريد الحرقفي إلى أن عدم التوافق بين قطر الوريد السابق للدعامة وقطر الدعامة يرتبط بفقدان النفاذية، كما أن اضطراب الجريان الوارد بحد ذاته يزيد من خطر فشل الدعامة خلال السنة الأولى.
ومن هنا تظهر العلاقة الدقيقة بين زيادة القياس (oversizing) وبين تأثير بواسون؛ إذ إن اختيار دعامة أكبر من القطر المرجعي بدرجةٍ معتدلة قد يكون مطلوباً لتحسين ثباتها، وتحقيق التصاقٍ جيد بجدار الوريد، وتقليل خطر انزياحها. لكن الإشكال يبدأ عندما تتجاوز زيادة القياس (oversizing) الحدَّ المعتدل، فتغدو مفرطة (excessive oversizing)؛ فعندها قد تكسب قطراً أكبر داخل القطعة المستهدفة، لكن في المقابل قد تصنع تضيقاً جديداً عند الحافة أو تخلق فرقاً كبيراً بين قطر الدعامة وقطر الوريد المجاور. وتذكر المراجعات الحديثة أن زياد القياس بمقدار بضعة مليمترات يُستخدم عملياً لتحسين الارتكاز، لكن لا توجد حتى الآن بروتوكولات موحّدة ومثبتة نهائياً لكل المرضى، ولهذا تبقى المعايير الفردية لكل حالة أمراً ضرورياً.
ولهذا السبب، أصبحت الموجات فوق الصوتية داخل الوعاء (IVUS) أداةً شبه أساسية في دعامات الأوردة الحرقفية؛ إذ تساعد على تحديد الامتداد الحقيقي للآفة، واختيار مناطق الارتكاز المناسبة (landing zones)، وتقدير القطر المرجعي بدقةٍ أعلى من التصوير الوريدي الظليل (venography) وحده، كما تسهم في تقليل أخطاء القياس التي قد تؤدي إلى زيادة القياس (oversizing) أو نقص القياس (undersizing). وفي الممارسة الشائعة، كثيراً ما تُختار أقطار تقريبية معروفة
مثل نحو 16 مم للوريد الحرقفي المشترك، و12–14 مم للوريد الحرقفي الخارجي أو الفخذي المشترك في بعض السياقات، لكن هذه الأرقام ليست قاعدةً صلبة، بل نقطة انطلاق يجب تعديلها بحسب IVUS، وحجم المريض، وطبيعة الآفة، وخاصةً في الانسدادات المزمنة أو ما بعد الخثار.
وقد يزداد الأمر تعقيداً لأن القطر المذكور على عبوة الدعامة ليس بالضرورة هو القطر الحقيقي بعد الزرع. ففي بعض الدراسات المنشورة على دعامات وريدية مخصّصة، كان القطر الفعلي بعد الزرع أصغر من القطر الاسمي مباشرةً بنسبة ملحوظة، وكانت دعامة 16 مم تعطي قطراً فعلياً مباشراً أقل من ذلك. وهذا يعني أن التفكير في القياس يجب أن يكون عملياً وديناميكياً، لا نظرياً فقط.
ومن الناحية التقنية، تشير بعض المراجع إلى أن القوة الشعاعية للدعامة تكون أوضح في جسم الدعامة منها عند أطرافها، مما قد يجعل هذه الأطراف أكثر عرضةً للانكماش أو الانضغاط بفعل القوى البيوميكانيكية المحيطة، ومنها ما يمكن تفسيره في إطار تأثير بواسون. كما أن الزيادة الكبيرة في التوسيع أو سوء تموضع الدعامة قد يسهمان، في حالات نادرة، في حدوث مضاعفات مثل الضغط الخارجي على الشريان المجاور بعد زراعة دعامة وريدية حرقفية
الخلاصة العملية هي أن تأثير بواسون في دعامات الوريد الحرقفي ليس فكرةً نظريةً معزولة، بل عامل ميكانيكي له انعكاس مباشر على نجاح الإجراء التداخلي. فالدعامة الناجحة ليست هي الأكبر حجماً، بل هي الدعامة التي تفتح الآفة، وتستقر جيداً، وتحافظ في الوقت نفسه على توافق هندسي ووظيفي مع المقاطع المجاورة، ولا سيما سلامة الجريان الوارد (inflow). لذلك فإن التخطيط السليم، والاعتماد على الموجات فوق الصوتية داخل الوعاء (IVUS)، والانتباه إلى القطر المرجعي الحقيقي، وتجنّب الزيادة المفرطة في القياس (excessive oversizing)، كلها عناصر أساسية لتقليل تضيق الوريد المجاور، وتحسين النفاذية، والحد من الحاجة إلى إعادة التدخل العلاجي .

د. عادل الكلعي

استشاري في جراحة الأوعية الدموية - M.Ch & M.D from Zhejiang University - M.B.B.Ch from TMU

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى