سلسلة المجلات الطبية العلمية معامل التأثير (Impact Factor): ما هو؟ وكيف يُحسب؟

معامل التأثير (Impact Factor): ما هو؟ وكيف يُحسب؟
منذ أن بدأنا هذه السلسلة، تعرفنا إلى مفهوم المجلات الطبية العلمية، والجهات التي تقف وراء إصدارها، وأنظمة الفهرسة، وأشهر قواعد البيانات العالمية مثل PubMed وScopus وWeb of Science. لكن يبقى هناك مصطلح يتكرر كثيراً عند الحديث عن جودة المجلات العلمية، وهو معامل التأثير (Impact Factor).
فقد تسمع أن مجلة ما تمتلك Impact Factor مرتفعاً، بينما تمتلك مجلة أخرى معامل تأثير أقل، فيعتقد بعض الباحثين أن الرقم وحده يكفي للحكم على جودة المجلة أو أهمية الأبحاث المنشورة فيها.
لكن ما هو معامل التأثير؟ وكيف يُحسب؟ وهل يمكن الاعتماد عليه وحده عند تقييم المجلات العلمية؟
في هذا المقال سنتعرف إلى مفهوم معامل التأثير، وطريقة حسابه، وما الذي يمثله فعلاً، مع توضيح أبرز مزاياه وحدوده، حتى يتمكن الباحث من تفسير هذا المؤشر بصورة صحيحة.
ما هو معامل التأثير؟
معامل التأثير (Impact Factor) هو مؤشر يقيس متوسط عدد الاستشهادات العلمية التي حصلت عليها المقالات المنشورة في مجلة علمية خلال فترة زمنية محددة.
ويُستخدم هذا المؤشر للمقارنة بين المجلات العلمية داخل التخصص نفسه، ويُعد من أشهر مؤشرات تقييم المجلات وأكثرها استخداماً في الأوساط الأكاديمية.
ويصدر معامل التأثير سنوياً ضمن تقرير تقارير الاستشهاد بالمجلات (Journal Citation Reports – JCR)، الذي تصدره شركة Clarivate استناداً إلى بيانات Web of Science.
ومن المهم أن ندرك أن معامل التأثير يقيس أداء المجلة، وليس جودة كل مقال على حدة. فقد تنشر مجلة ذات معامل تأثير مرتفع مقالات قليلة التأثير، كما قد تنشر مجلة ذات معامل تأثير منخفض دراسة تحقق تأثيراً علمياً كبيراً.
ولهذا ينبغي النظر إلى معامل التأثير بوصفه أحد مؤشرات تقييم المجلة، وليس المعيار الوحيد للحكم عليها.
كيف يُحسب معامل التأثير؟
يعتمد معامل التأثير على عدد الاستشهادات التي حصلت عليها المقالات المنشورة في المجلة خلال السنتين السابقتين، مقارنة بعدد المقالات القابلة للاستشهاد التي نشرتها المجلة خلال هاتين السنتين.
وبعبارة مبسطة، فإن الفكرة تقوم على حساب متوسط عدد مرات الاستشهاد لكل مقال.
على سبيل المثال، إذا نشرت مجلة خلال عامي 2023 و2024 ما مجموعه 100 مقال قابل للاستشهاد، وحصلت هذه المقالات خلال عام 2025 على 500 استشهاد، فإن معامل التأثير للمجلة يساوي:
500 ÷ 100 = 5.0
أي أن كل مقال في المجلة حصل في المتوسط على خمسة استشهادات علمية خلال الفترة المستخدمة في حساب المؤشر.
ومن المهم ملاحظة أن هذا المتوسط لا يعني أن جميع المقالات حصلت على العدد نفسه من الاستشهادات، فقد تحقق بعض المقالات عشرات أو مئات الاستشهادات، بينما لا يحصل بعضها الآخر على أي استشهاد.

الشكل (1). مثال مبسط يوضح طريقة حساب معامل التأثير.
ومن الجدير بالذكر أن معادلة معامل التأثير لا تشمل جميع المواد التي تنشرها المجلة، وإنما تعتمد على ما يُعرف بـ المقالات القابلة للاستشهاد (Citable Items)، والتي تضم عادةً الأبحاث الأصلية (Original Articles) ومقالات المراجعة (Review Articles) وبعض الأوراق العلمية البحثية. أما الافتتاحيات، والأخبار، والرسائل، وبعض التعليقات العلمية، فلا تُحتسب غالباً ضمن هذه المعادلة. ولذلك قد يختلف عدد المقالات المستخدمة في حساب معامل التأثير عن العدد الإجمالي للمواد التي تنشرها المجلة.
لماذا يختلف معامل التأثير بين التخصصات؟
من أكثر الأخطاء شيوعاً مقارنة معامل التأثير بين مجلتين تنتميان إلى تخصصين مختلفين.
ففي بعض المجالات، مثل علم الأورام أو علم المناعة أو البيولوجيا الجزيئية، يكون معدل النشر والاستشهادات مرتفعاً بطبيعته، ولذلك تحقق المجلات في هذه التخصصات معاملات تأثير مرتفعة.
أما في تخصصات أخرى، مثل بعض فروع الجراحة أو التخصصات الطبية الدقيقة، فقد يكون معدل الاستشهادات أقل، رغم أن المجلات تُعد من أفضل المجلات في مجالها.
ولهذا السبب لا ينبغي مقارنة معامل التأثير بين تخصصات مختلفة، وإنما تُقارن المجلات التي تنتمي إلى التخصص نفسه.
فعلى سبيل المثال، لا يصح مقارنة مجلة في جراحة الأوعية الدموية بمجلة في علم الأورام اعتماداً على معامل التأثير فقط، لأن طبيعة النشر والاستشهاد تختلف بصورة كبيرة بين هذين المجالين.
هل يعني معامل التأثير المرتفع أن المجلة أفضل دائماً؟
الإجابة هي: ليس بالضرورة.
فمعامل التأثير يعكس متوسط عدد الاستشهادات بالمقالات المنشورة في المجلة، لكنه لا يقيس جميع جوانب الجودة العلمية.
فعلى سبيل المثال، قد تحقق مجلة معامل تأثير مرتفعاً لأنها تنشر عدداً كبيراً من مقالات المراجعة (Review Articles)، والتي تحصل عادةً على استشهادات أكثر من الأبحاث الأصلية.
كما أن بعض المجلات المتخصصة في مجالات علمية ضيقة قد تمتلك معامل تأثير منخفضاً نسبياً، رغم أنها تُعد من أفضل المجلات وأكثرها تأثيراً داخل تخصصها.
كذلك قد تؤثر عوامل أخرى، مثل حجم المجتمع البحثي، وعدد الباحثين العاملين في التخصص، وسياسة النشر الخاصة بالمجلة، في قيمة معامل التأثير.
ولذلك ينبغي النظر إلى معامل التأثير باعتباره مؤشراً مهماً يساعد في تقييم المجلة، لكنه لا يمثل الحكم النهائي على جودتها.
ما أهم مزايا معامل التأثير؟
رغم الانتقادات التي وُجهت إليه، ما يزال معامل التأثير من أكثر مؤشرات تقييم المجلات استخداماً، لأنه:
- يوفر معياراً موحداً للمقارنة بين المجلات داخل التخصص نفسه.
- يساعد الباحث على التعرف إلى المجلات ذات التأثير العلمي الأكبر.
- يُستخدم في كثير من الجامعات وهيئات التمويل والمؤسسات البحثية.
- يسهّل متابعة تطور أداء المجلات عبر السنوات.
- يساعد الباحث عند اختيار المجلة المناسبة لنشر أبحاثه.
ما حدود معامل التأثير؟
مثل أي مؤشر علمي، يمتلك معامل التأثير عدداً من القيود التي ينبغي على الباحث معرفتها، ومن أهمها:
- يقيس متوسط الاستشهادات، وليس جودة كل مقال على حدة.
- يختلف بصورة كبيرة بين التخصصات العلمية.
- قد يتأثر بعدد محدود من المقالات التي تحقق استشهادات مرتفعة جداً.
- لا يعكس جودة التحكيم العلمي أو كفاءة هيئة التحرير.
- يعتمد على نافذة زمنية قصيرة نسبياً، ولا يعكس دائماً التأثير العلمي طويل المدى.
ولهذا السبب لا تعتمد المؤسسات الأكاديمية على معامل التأثير وحده، وإنما تستخدمه مع مؤشرات أخرى للحصول على تقييم أكثر شمولاً.
لماذا ظهرت مؤشرات أخرى لتقييم المجلات؟
مع مرور الوقت، أدركت المؤسسات الأكاديمية وهيئات تقييم الأبحاث أن الاعتماد على معامل التأثير (Impact Factor) وحده لا يكفي لتقييم المجلات العلمية بصورة عادلة وشاملة.
فهذا المؤشر، رغم أهميته، يركز على متوسط عدد الاستشهادات خلال فترة زمنية محددة، ولا يأخذ في الاعتبار جميع العوامل التي تعكس مكانة المجلة أو تأثيرها العلمي.
ولهذا السبب ظهرت مؤشرات أخرى، مثل:
- CiteScore.
- SCImago Journal Rank (SJR).
- Source Normalized Impact per Paper (SNIP).
ويتميز كل مؤشر منها بطريقة مختلفة في حساب التأثير العلمي، مع محاولة معالجة بعض القيود الموجودة في معامل التأثير، مثل اختلاف أنماط الاستشهاد بين التخصصات العلمية، أو جودة المجلات التي تأتي منها الاستشهادات.
وسنتناول هذه المؤشرات بالتفصيل في مقال مستقل ضمن هذه السلسلة.
الخلاصة
يُعد معامل التأثير (Impact Factor) واحداً من أشهر مؤشرات تقييم المجلات العلمية وأكثرها استخداماً، إذ يقيس متوسط عدد الاستشهادات التي تحصل عليها المقالات المنشورة في المجلة خلال فترة زمنية محددة.
ومع ذلك، لا ينبغي تفسير هذا المؤشر بمعزل عن غيره، لأنه لا يقيس جودة كل مقال على حدة، ولا يصلح للمقارنة بين تخصصات علمية مختلفة، كما أنه لا يعكس جميع الجوانب المتعلقة بجودة المجلة.
ولهذا لا ينبغي الاعتماد على معامل التأثير وحده عند تقييم المجلات العلمية، بل ينبغي تفسيره إلى جانب مؤشرات أخرى، مثل الربعيات (Q1–Q4)وCiteScore وSJR وSNIP، للحصول على صورة أكثر دقة عن مكانة المجلة العلمية.
وفي المقال القادم من هذه السلسلة سنتعرف إلى الربعيات (Q1–Q4)، وسنوضح ماذا تعني، وكيف تُستخدم في تصنيف المجلات العلمية، وهل تكفي وحدها للحكم على جودة أي مجلة.
المراجع
- Garfield E. The History and Meaning of the Journal Impact Factor. JAMA. 2006;295(1):90–93.
- Clarivate. Journal Citation Reports (JCR). https://clarivate.com/products/scientific-and-academic-research/research-discovery-and-workflow-solutions/journal-citation-reports/
- Clarivate. Journal Impact Factor. https://clarivate.com/academia-government/scientific-and-academic-research/research-discovery-and-workflow-solutions/journal-citation-reports/
- International Committee of Medical Journal Editors (ICMJE). https://www.icmje.org/
- Committee on Publication Ethics (COPE). https://publicationethics.org/
- Elsevier. Research Metrics Guidebook. https://www.elsevier.com/research-intelligence/resource-library/research-metrics-guidebook



