سلسلة المجلات الطبية العلمية: من يقف خلف المجلات الطبية؟ تعرّف إلى دور الناشرين والجمعيات العلمية والجامعات

من يقف خلف المجلات الطبية؟ تعرّف إلى دور الناشرين والجمعيات العلمية والجامعات
بعد أن تعرفنا في المقال السابق إلى مفهوم المجلات الطبية العلمية وآلية عملها، أصبح من الطبيعي أن نطرح سؤالاً آخر لا يقل أهمية:
من الذي يقف خلف هذه المجلات الطبية؟
فعند تصفح الموقع الإلكتروني لأي مجلة طبية، قد تجد اسم دار نشر عالمية مثل Elsevier أو Springer Nature أو Wiley، وفي مجلات أخرى قد يظهر اسم جمعية طبية متخصصة أو جامعة عريقة. وقد تلاحظ أحياناً وجود أكثر من جهة مرتبطة بالمجلة، مما يجعل من الصعب على الباحث، خاصةً في بداية مسيرته الأكاديمية، فهم طبيعة العلاقة بين هذه الجهات.
ويعتقد بعض الباحثين أن دار النشر هي المالك الحقيقي للمجلة، بينما يظن آخرون أن الجمعية العلمية هي التي تتولى جميع الجوانب المتعلقة بإدارتها. إلا أن الواقع أكثر تعقيداً، إذ تشارك عدة جهات في إصدار المجلات الطبية، ولكل منها مسؤوليات محددة تختلف عن مسؤوليات الجهات الأخرى.
ويُعد فهم هذه الأدوار خطوة مهمة لفهم البنية التنظيمية للمجلات الطبية، كما يساعد الباحث على قراءة بيانات المجلة بصورة صحيحة، والتمييز بين الجهة المالكة، والناشر، وهيئة التحرير، وهو ما سيمهد لفهم كثير من الموضوعات التي سنتناولها في المقالات القادمة.
هل تصدر جميع المجلات الطبية عن جهة واحدة؟
الإجابة ببساطة هي: لا.
فالمجلة الطبية ليست مجرد موقع إلكتروني أو اسم يظهر على غلاف أحد الأعداد، وإنما هي مشروع علمي متكامل تشارك في إدارته جهات مختلفة، يعمل كل منها ضمن اختصاصات ومسؤوليات محددة.
فقد تكون المجلة مملوكة لإحدى الجمعيات الطبية، بينما تتولى دار نشر عالمية إدارة منصة النشر والإنتاج الإلكتروني، وتشرف هيئة تحرير مستقلة على تقييم المحتوى العلمي واتخاذ القرارات التحريرية. وفي بعض الحالات، تشارك جامعة أو مؤسسة أكاديمية في دعم المجلة أو الإشراف عليها.
ولهذا السبب، قد تجد في الصفحة الرئيسة للمجلة أكثر من اسم أو شعار، وهو أمر طبيعي يعكس طبيعة التعاون بين الجهات المختلفة التي تسهم في إصدار المجلة وإدارتها.

الشكل (1). الجهات الرئيسة التي تشارك في إصدار المجلات الطبية، والعلاقة بينها.
أولاً: دور النشر العلمية
تُعد دور النشر العلمية من أهم المؤسسات التي تدير المجلات الطبية والعلمية حول العالم، وهي المسؤولة عن توفير البنية التقنية والإدارية التي تتيح للمجلة أداء عملها بكفاءة.
ولا يقتصر دورها على نشر المقالات إلكترونياً أو طباعة الأعداد، بل يشمل تطوير منصات استقبال المقالات، وإدارة أنظمة المراجعة العلمية، وأرشفة الأبحاث، وإتاحتها عبر المنصات الرقمية، إضافة إلى تقديم الدعم الفني لهيئة التحرير والباحثين.
ومن المهم الإشارة إلى أن دار النشر لا تتخذ القرارات العلمية المتعلقة بقبول أو رفض الأبحاث، فهذه المهمة تقع على عاتق رئيس التحرير وهيئة التحرير، بينما يتركز دور الناشر في الجوانب التقنية والإدارية والإنتاجية.
وتوجد عشرات دور النشر العلمية حول العالم، إلا أن عدداً محدوداً منها يدير نسبة كبيرة من المجلات الطبية الدولية.
ومن أشهرها:
- Elsevier.
- Springer Nature.
- Wiley.
- Taylor & Francis.
- SAGE Publishing.
- BMJ Group.
- Oxford University Press.
- Cambridge University Press.
- Wolters Kluwer.
وتدير بعض هذه المؤسسات آلاف المجلات في مختلف التخصصات، بينما يركز بعضها بصورة أكبر على العلوم الطبية والصحية أو المجالات الأكاديمية المتخصصة.
ومن المثير للاهتمام أن الباحث قد يقرأ أو يستشهد بمقالات منشورة في مجلات مختلفة تماماً، ثم يكتشف لاحقاً أن جميع تلك المجلات تتبع دار نشر واحدة، رغم اختلاف أسمائها وتخصصاتها وسياساتها التحريرية.
ومن المهم أيضاً أن ندرك أن اسم دار النشر لا يعني بالضرورة أنها تملك المجلة؛ ففي كثير من الحالات تكون دار النشر شريكاً مسؤولاً عن إدارة عملية النشر، بينما تبقى ملكية المجلة لجمعية علمية أو جامعة أو مؤسسة أكاديمية، وهو ما سنتعرف إليه في الأجزاء التالية من هذا المقال.
ثانياً: الجمعيات الطبية والعلمية
لا تصدر جميع المجلات الطبية عن دور نشر تجارية، فهناك عدد كبير من المجلات التي تمتلكها أو تشرف عليها جمعيات وهيئات علمية متخصصة. وتُعد هذه المجلات في كثير من الأحيان المرجع الرسمي لذلك التخصص، إذ تمثل الواجهة العلمية للجمعية، وتعكس نشاطها الأكاديمي والبحثي.
وتهدف الجمعيات العلمية من خلال مجلاتها إلى نشر أحدث الأبحاث، وتشجيع تبادل الخبرات بين المتخصصين، وإصدار الإرشادات السريرية، ودعم التطوير المستمر للممارسة الطبية المبنية على الأدلة.
ومن أشهر الأمثلة على ذلك:
- الجمعية الأمريكية للقلب (American Heart Association – AHA).
- الجمعية الأوروبية لأمراض القلب (European Society of Cardiology – ESC).
- جمعية الأشعة في أمريكا الشمالية (Radiological Society of North America – RSNA).
- جمعية الأشعة التداخلية (Society of Interventional Radiology – SIR).
- الجمعية الأوروبية للأشعة التداخلية القلبية والوعائية (Cardiovascular and Interventional Radiological Society of Europe – CIRSE).
ورغم أن هذه الجمعيات تمتلك المجلة أو تشرف عليها علمياً، فإنها كثيراً ما تتعاون مع إحدى دور النشر العالمية لإدارة عمليات النشر الإلكتروني، وأرشفة المقالات، وتشغيل منصة استقبال الأبحاث، والإنتاج الفني للمجلة.
لذلك، ليس من المستغرب أن يجد الباحث شعار الجمعية العلمية إلى جانب شعار دار النشر في الصفحة الرئيسة للمجلة، فكل منهما يؤدي دوراً مختلفاً في إدارة المجلة وإصدارها.

الشكل (2). العلاقة بين الجمعية العلمية ودار النشر وهيئة تحرير المجلة، ودور كل جهة في إصدار المجلات الطبية.
ثالثاً: الجامعات والمؤسسات الأكاديمية
تسهم الجامعات والمؤسسات الأكاديمية أيضاً في إصدار عدد كبير من المجلات العلمية، خاصة في المجالات البحثية المتخصصة. وتهدف هذه المجلات إلى دعم النشاط العلمي للمؤسسة، ونشر الأبحاث التي تسهم في تطوير المعرفة داخل مختلف التخصصات.
وتصدر بعض الجامعات مجلات عامة تغطي عدداً من العلوم الطبية، بينما تصدر كليات الطب أو المستشفيات الجامعية مجلات متخصصة في مجالات دقيقة مثل الجراحة، أو أمراض القلب، أو الأشعة، أو الأورام، أو غيرها من التخصصات الطبية.
ومن الأمثلة على الجامعات التي تصدر أو تشارك في إصدار مجلات علمية:
- جامعة هارفارد (Harvard University).
- جامعة أكسفورد (University of Oxford).
- جامعة كامبريدج (University of Cambridge).
- جامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins University).
- جامعة بكين (Peking University).
ولا يعني ارتباط المجلة بجامعة معينة أنها تستقبل الأبحاث من باحثي تلك الجامعة فقط، بل إن معظم المجلات الجامعية تستقبل أبحاثاً من مختلف الباحثين حول العالم، شريطة أن تتوافق مع نطاق المجلة وسياساتها العلمية.
كما أن كثيراً من الجامعات تتعاون مع دور نشر عالمية لإدارة مجلاتها، مما يوفر لها منصات إلكترونية متطورة وخدمات نشر وأرشفة تتوافق مع المعايير الدولية.
هل يمكن أن تشترك أكثر من جهة في إصدار المجلة؟
الإجابة هي: نعم، وهذا هو النموذج الأكثر شيوعاً في كثير من المجلات الطبية العالمية.
فعلى سبيل المثال، قد تكون المجلة مملوكة لإحدى الجمعيات الطبية، بينما تتولى دار نشر عالمية إدارة عمليات النشر والإنتاج الإلكتروني، وتشرف هيئة تحرير مستقلة على الجوانب العلمية والتحريرية، وقد يشارك مجلس استشاري دولي في توجيه السياسة العلمية للمجلة.
لذلك، فإن قراءة الصفحة التعريفية للمجلة تساعد الباحث على التعرف إلى الجهة المالكة، والناشر، وهيئة التحرير، والشركاء الأكاديميين، مما يمنحه فهماً أعمق لطبيعة المجلة وآلية إدارتها.
ويُعد إدراك هذا التعاون بين الجهات المختلفة خطوة مهمة لفهم عالم المجلات الطبية، ويمهد للانتقال إلى الموضوع التالي في هذه السلسلة، حيث سنتعرف إلى كيفية تصنيف المجلات الطبية، وأهم أنظمة الفهرسة والمؤشرات المستخدمة في تقييمها.
رابعاً: هيئة تحرير المجلة
إذا كانت دور النشر مسؤولة عن الجوانب التقنية والإدارية، والجمعيات العلمية أو الجامعات مسؤولة عن ملكية المجلة أو الإشراف عليها، فإن هيئة التحرير هي الجهة المسؤولة عن المحتوى العلمي الذي يُنشر داخل المجلة.
وتضم هيئة التحرير عادةً رئيس التحرير (Editor-in-Chief)، وعدداً من المحررين المساعدين (Associate Editors)، وهيئة تحرير علمية (Editorial Board) تضم خبراء من جامعات ومؤسسات بحثية مختلفة حول العالم.
وتتمثل مسؤوليات هيئة التحرير في:
- تقييم مدى ملاءمة الأبحاث لنطاق المجلة.
- اختيار المراجعين المتخصصين لكل بحث.
- دراسة تقارير المراجعة العلمية.
- اتخاذ القرار النهائي بشأن قبول البحث أو طلب تعديله أو رفضه.
- المحافظة على جودة المحتوى العلمي للمجلة.
- الالتزام بالمعايير الأخلاقية وسياسات النشر العلمي.
ولهذا السبب، فإن القرارات المتعلقة بقبول الأبحاث أو رفضها لا تصدر عن دار النشر، وإنما عن رئيس التحرير وهيئة التحرير، اعتماداً على نتائج المراجعة العلمية وسياسات المجلة.

الشكل (3). توزيع المسؤوليات بين الجهة المالكة للمجلة، ودار النشر، وهيئة التحرير، ودور كل منها في إدارة المجلة الطبية.
كيف تتعاون هذه الجهات معاً؟
على الرغم من اختلاف مسؤوليات الجهات التي تقف خلف المجلات الطبية، فإن نجاح أي مجلة يعتمد على التعاون والتنسيق بينها.
فقد تمتلك جمعية علمية المجلة وتحدد رؤيتها ورسالتها، بينما توفر دار النشر المنصة الإلكترونية وأنظمة إدارة المقالات وخدمات النشر والأرشفة، في حين تشرف هيئة التحرير على جميع الجوانب العلمية المتعلقة بالمحتوى المنشور.
وفي المقابل، تسهم الجامعات والمؤسسات الأكاديمية في دعم المجلة من خلال مشاركة الباحثين والخبراء في هيئة التحرير، أو توفير الدعم الأكاديمي والعلمي اللازم لتطوير المجلة.
ويضمن هذا التعاون تقديم محتوى علمي يتمتع بالجودة والمصداقية، مع الاستفادة من الخبرات العلمية والتقنيات الحديثة في إدارة المجلات ونشرها.
هل يؤثر اسم الناشر أو الجهة المالكة في جودة المجلة؟
قد يعتقد بعض الباحثين أن وجود اسم دار نشر عالمية أو جامعة مرموقة يعني بالضرورة أن جميع المجلات التابعة لها تتمتع بالمستوى نفسه، إلا أن هذا الاعتقاد ليس دقيقاً.
فلكل مجلة هيئة تحرير مستقلة، وسياسة تحريرية خاصة، ونطاق علمي مختلف، كما تختلف مؤشراتها العلمية وأنظمة فهرستها، حتى وإن كانت تصدر عن دار النشر نفسها أو عن الجمعية العلمية ذاتها.
ولذلك، ينبغي تقييم كل مجلة بصورة مستقلة، وعدم الاعتماد على اسم الناشر أو المؤسسة وحده عند الحكم على مكانتها العلمية.
وسنتعرف في المقال القادم إلى كيفية تصنيف المجلات الطبية، وما المقصود بأنظمة الفهرسة، وأهم المؤشرات التي تُستخدم لتقييم المجلات، وهو ما سيساعد الباحث على فهم الفروق الحقيقية بينها.
الخلاصة
تقف خلف المجلات الطبية عدة جهات، يؤدي كل منها دوراً مختلفاً في إصدار المجلة وإدارتها. فقد تكون المجلة مملوكة لجمعية علمية أو جامعة أو مؤسسة أكاديمية، بينما تتولى دار نشر عالمية الجوانب التقنية والإدارية، وتشرف هيئة تحرير مستقلة على المحتوى العلمي واتخاذ القرارات التحريرية.
ويُعد فهم هذه البنية التنظيمية خطوة أساسية لكل باحث، لأنها تساعده على قراءة بيانات المجلات بصورة صحيحة، والتمييز بين الجهة المالكة، والناشر، وهيئة التحرير، كما تمهد لفهم الموضوعات التي سنتناولها في المقالات القادمة، وعلى رأسها تصنيف المجلات الطبية وأنظمة الفهرسة والمؤشرات العلمية المستخدمة في تقييمها.
المراجع
- International Committee of Medical Journal Editors (ICMJE). Recommendations for the Conduct, Reporting, Editing, and Publication of Scholarly Work in Medical Journals. https://www.icmje.org/
- Committee on Publication Ethics (COPE). Core Practices. https://publicationethics.org/
- National Library of Medicine (NLM). MEDLINE Journal Selection. https://www.nlm.nih.gov/
- Elsevier. About Elsevier Journals. https://www.elsevier.com/
- Springer Nature. Our Journals. https://www.springernature.com/
- Wiley. Journal Publishing. https://www.wiley.com/
- Oxford University Press. Academic Journals. https://academic.oup.com/
- Cambridge University Press. Journals. https://www.cambridge.org/core/journals



