سلسلة الانتحال العلمي وفحص التشابه: ما الفرق بين الانتحال والتشابه النصي؟

الفرق بين الانتحال والتشابه النصي مهم لفهم تقارير الفحص وتقييم الكتابة العلمية بصورة عادلة. بعد أن تعرّفنا في المقال السابق على مفهوم الانتحال العلمي (Plagiarism) وصوره المختلفة، ننتقل إلى أحد أكثر الموضوعات التي تسبب ارتباكاً لدى الباحثين والطلاب: التشابه النصي (Text Similarity).
فعندما يرفع الباحث بحثه إلى أحد برامج الفحص، قد تظهر أمامه نسبة مثل 8% أو 20% أو 35%. وقد يظن أن هذه النسبة تمثل مقدار الانتحال الموجود في البحث، أو أن تجاوز حد معين يعني رفض البحث تلقائياً.
لكن هذا الفهم غير دقيق.
فبرنامج الفحص يبحث عن النصوص المتطابقة أو المتشابهة مع مصادر موجودة في قواعد بياناته، ثم يعرض مواضعها داخل تقرير التشابه (Similarity Report). أما تحديد ما إذا كان هذا التطابق يمثل انتحالاً فعلياً، فيحتاج إلى مراجعة بشرية تراعي سياق النص، ومصدره، وطريقة توثيقه، وموقعه داخل البحث.
فما الفرق بين الانتحال والتشابه النصي؟ ولماذا قد يحصل بحث سليم على نسبة مرتفعة؟ وكيف يمكن أن يحصل بحث يحتوي على مشكلة حقيقية على نسبة منخفضة؟
الفرق بين الانتحال والتشابه النصي في عبارة واحدة
يمكن تلخيص الفرق الأساسي على النحو الآتي:
التشابه النصي نتيجة تقنية تُظهر وجود نصوص متطابقة أو متقاربة، أما الانتحال العلمي فهو حكم علمي وأخلاقي يعتمد على طريقة استخدام الكلمات أو الأفكار أو البيانات ونسبتها إلى أصحابها.
ولهذا لا يصح استخدام المصطلحين بوصفهما مترادفين.
قد يكشف البرنامج تشابهاً مشروعاً، مثل قائمة المراجع أو اقتباس مباشر موثق. وفي المقابل، قد لا يكشف انتحالاً حقيقياً، مثل الاستيلاء على فكرة غير منشورة أو استخدام بيانات باحث آخر.
مقارنة بين التشابه النصي والانتحال العلمي
ما التشابه النصي؟
التشابه النصي (Text Similarity) هو وجود تطابق أو تقارب بين كلمات أو عبارات داخل الوثيقة المفحوصة ونصوص أخرى موجودة في المصادر التي يستطيع برنامج الفحص الوصول إليها.
وقد تشمل مصادر المقارنة:
- المقالات العلمية والدوريات.
- الكتب والمصادر الإلكترونية.
- صفحات الإنترنت الحالية والمؤرشفة.
- الرسائل الجامعية.
- أعمال الطلاب المودعة سابقاً.
- المستودعات المؤسسية.
- النسخ الأولية للأبحاث.
- الوثائق التي سبق رفعها إلى النظام.
عندما يعثر البرنامج على نص متطابق أو متشابه، فإنه يميزه داخل التقرير ويربطه بالمصدر أو المصادر التي ظهر فيها.
وتوضح تيرنتن (Turnitin) أن درجة التشابه تمثل مقدار النص الذي يطابق مصادر موجودة في قواعد بياناتها، وأن النصوص المميزة داخل التقرير لا تعني تلقائياً وجود انتحال. (Turnitin Guides)
ما الانتحال العلمي؟
الانتحال العلمي (Plagiarism) هو استخدام كلمات أو أفكار أو بيانات أو إنتاج علمي يعود إلى شخص آخر، ثم تقديمه كما لو كان عملاً أصلياً للباحث من دون النسبة المناسبة إلى صاحبه.
ولذلك لا يعتمد الحكم بوجود الانتحال على الكلمات المتطابقة وحدها، بل يتطلب الإجابة عن أسئلة مثل:
- هل المادة مأخوذة من مصدر آخر؟
- هل ذكر الباحث المصدر؟
- هل استُخدمت علامات الاقتباس عند النقل الحرفي؟
- هل كانت إعادة الصياغة حقيقية؟
- هل يمتلك الباحث حق استخدام البيانات أو الصورة؟
- هل أُخفي عمل سابق مرتبط بالبحث؟
- هل أوحى النص للقارئ بأن المادة جديدة وأصلية؟
- هل يتوافق الاستخدام مع سياسة الجامعة أو المجلة؟
فالانتحال مسألة ترتبط بالأصالة والنزاهة والتوثيق والسياق، وليس مجرد رقم ينتجه برنامج.
لماذا لا يُسمى «تقرير الانتحال»؟
يشيع بين الطلاب والباحثين استخدام عبارتي «تقرير الانتحال» و«نسبة الانتحال»، لكنهما ليستا التسمية الأدق.
الأفضل استخدام:
- تقرير التشابه (Similarity Report).
- درجة التشابه (Similarity Score).
- فحص التشابه النصي (Text Similarity Check).
- نسبة النص المتطابق أو المتشابه.
فالبرنامج يعرض النصوص المتطابقة مع المصادر المتاحة، لكنه لا يمتلك وحده القدرة على إصدار حكم نهائي بأن الباحث ارتكب انتحالاً.
وتستطيع بعض التقارير الحديثة التعرّف على علامات الاقتباس والاستشهادات داخل النص وتصنيف التطابقات بناءً عليها. فعلى سبيل المثال، يصنف تقرير تيرنتن المحسن بعض التطابقات بحسب وجود الاقتباس أو الاستشهاد داخل النص. لكن هذه الخاصية لا تستطيع وحدها تحديد ما إذا كان التوثيق صحيحاً وكافياً، أو ما إذا كان استخدام المادة مشروعاً وفق سياق البحث وسياسة المؤسسة. كما أن قدرات التعرف على الاستشهادات قد تختلف بحسب لغة الوثيقة ونمط التوثيق المستخدم. (Turnitin Guides)
وتؤكد خدمة فحص التشابه (Similarity Check) التابعة لكروس ريف (Crossref)، والتي تعتمد على آيثنتيكيت (iThenticate)، أن النظام يفحص التشابه النصي ولا يصدر حكماً نهائياً بوجود الانتحال؛ إذ يجب على المحررين مراجعة التطابقات وتقييمها بأنفسهم. (www.crossref.org)
القاعدة الأساسية لفهم التقرير
لا تسأل أولاً: كم بلغت نسبة التشابه؟
اسأل: ما النص المتطابق؟ ومع أي مصدر؟ وفي أي قسم من البحث؟ وهل نُسب إلى صاحبه بطريقة صحيحة؟
كيف تنتج نسبة التشابه؟
تنتج درجة التشابه من مقارنة نص الوثيقة بالمصادر المتاحة داخل قواعد بيانات البرنامج، ثم حساب مقدار النص الذي عثر النظام على تطابقات له.
وفي أنظمة مثل آيثنتيكيت، تُحسب النسبة من خلال مقارنة عدد الكلمات المتطابقة بإجمالي عدد كلمات الوثيقة. وقد يعاد حسابها بعد تطبيق بعض الاستبعادات، مثل استبعاد قائمة المراجع أو الاقتباسات. (www.crossref.org)
لكن نتيجة البحث نفسه قد تختلف من برنامج إلى آخر أو من حساب إلى آخر بسبب اختلاف:
- قواعد البيانات المتاحة.
- المستودعات المحددة للفحص.
- إعدادات المؤسسة.
- لغة الوثيقة.
- تاريخ إجراء الفحص.
- وجود المسودة في مستودع سابق.
- استبعاد المراجع أو الاقتباسات.
- استبعاد التطابقات القصيرة.
- توفر خاصية المطابقة بين اللغات.
وسنتناول آلية عمل البرامج وأسباب اختلاف النتائج بينها بالتفصيل في المقال الثالث من السلسلة.
لماذا قد تكون نسبة التشابه مرتفعة من دون وجود انتحال؟
النسبة المرتفعة تستحق المراجعة، لكنها لا تثبت الانتحال بمفردها.
الاقتباسات المباشرة الموثقة
قد يحتوي البحث على اقتباسات موضوعة بين علامات الاقتباس، مع توثيق المصدر وفق النمط المطلوب.
سيكتشف البرنامج الكلمات المتطابقة، لكنها لا تمثل انتحالاً عندما تكون مميزة وموثقة بطريقة صحيحة.
ومع ذلك، قد تؤدي كثرة الاقتباسات المباشرة إلى إضعاف أصالة المقال وجودة كتابته، حتى عندما تكون موثقة.
قائمة المراجع
تحتوي قائمة المراجع بطبيعتها على أسماء المؤلفين، وعناوين المقالات، وأسماء المجلات، وبيانات النشر، ولهذا قد تظهر فيها تطابقات كثيرة.
إذا لم تُستبعد قائمة المراجع، فقد ترفع النسبة الإجمالية من دون أن تمثل مشكلةً في متن البحث. وتوفر تيرنتن مرشحات يمكنها استبعاد المراجع والاقتباسات وبعض النصوص الموثقة من التقرير عند توفرها وتفعيلها. (Turnitin Guides)
العبارات المنهجية الشائعة
تتكرر بعض العبارات في قسم المواد والطرق، خصوصاً عند وصف:
- الأجهزة والمواد.
- الاختبارات الإحصائية.
- الموافقة الأخلاقية.
- طرق المختبر.
- البرامج الإحصائية.
- الإجراءات التشخيصية أو العلاجية.
- التصاميم البحثية المعروفة.
وقد تكون إمكانات إعادة صياغة بعض الإجراءات القياسية محدودة بسبب ضرورة المحافظة على الدقة العلمية.
لكن ذلك لا يبرر نسخ قسم المواد والطرق كاملاً من بحث آخر. فالمطلوب هو تقييم مقدار النص، ومدى خصوصيته، وإمكان صياغته بصورة مستقلة، وما إذا كان مأخوذاً من عمل سابق للباحث أو من عمل فريق آخر.
العبارات المؤسسية الثابتة
قد تفرض الجامعة أو الجهة البحثية نصوصاً محددة، مثل:
- إقرار الموافقة الأخلاقية.
- بيان تضارب المصالح.
- وصف جهة التمويل.
- إقرار الموافقة المستنيرة.
- قوالب التكليفات أو النماذج الجامعية.
وقد تتكرر هذه العبارات حرفياً في عدد كبير من الوثائق.
النسخة الأولية للبحث
إذا كان البحث قد نُشر بوصفه نسخةً أوليةً (Preprint)، فقد يقارن البرنامج المخطوطة بالنسخة الأولية ويعرض تطابقاً مرتفعاً.
عندما تتطابق المخطوطة مع نسخة أولية نشرها المؤلفون أنفسهم، فإن هذا لا يمثل عادةً انتحالاً لأعمال الآخرين. لكنه يتطلب الإفصاح عن النسخة الأولية والالتزام بسياسة المجلة بشأن النشر السابق. كما يجب التأكد من أن النسخة المطابقة تعود بالفعل إلى المؤلفين والعمل نفسه. وتشير كروس ريف إلى أن بعض النسخ الأولية موجودة في مستودعات آيثنتيكيت وقد ترفع نتيجة التشابه. (www.crossref.org)
المقال المشتق من رسالة جامعية
قد يكون المقال مستخرجاً من رسالة ماجستير أو دكتوراه مودعة في مستودع الجامعة.
عند فحص المقال، قد يظهر تطابق واسع مع الرسالة الأصلية. ولا يعني ذلك تلقائياً أن الباحث سرق عمل شخص آخر، لكنه قد يكشف إعادة استخدام نصوص أو بيانات تحتاج إلى:
- توثيق الرسالة.
- الإفصاح عن العلاقة بين العملين.
- مراجعة سياسة المجلة.
- التحقق من حقوق النشر.
- توضيح مقدار الإضافة الجديدة.
رفع المسودة أكثر من مرة
إذا حُفظت إحدى المسودات داخل مستودع المؤسسة، فقد تظهر النسخة النهائية متطابقةً معها بدرجة كبيرة.
ولهذا ينبغي معرفة إعدادات التسليم والمستودع قبل تفسير النسبة، والتأكد من أن المصدر المطابق ليس مجرد نسخة سابقة من الوثيقة نفسها.
التشابه مع أعمال الباحث السابقة
قد تظهر تطابقات مع مقالات أو بروتوكولات أو ملخصات سابقة للباحث نفسه.
هذه الحالة لا تمثل سرقةً لعمل شخص آخر، لكنها قد تشير إلى:
- إعادة تدوير النصوص.
- إعادة استخدام بيانات منشورة.
- نشر متداخل.
- نقص الإفصاح عن العمل السابق.
- مخالفة حقوق النشر التي انتقلت إلى ناشر سابق.
ولذلك لا ينبغي تجاهل التطابق لمجرد أن المصدر يعود إلى الباحث نفسه.
لماذا قد تكون النسبة منخفضة رغم وجود مشكلة حقيقية؟
كما أن ارتفاع النسبة لا يثبت الانتحال، فإن انخفاضها لا يضمن سلامة البحث.
انتحال فكرة من دون نسخ النص
يمكن للباحث أخذ فرضية أو تفسير أو تصميم بحثي من شخص آخر، ثم التعبير عنه بلغة مختلفة تماماً.
قد لا يجد البرنامج كلمات متطابقة، رغم وجود استيلاء على الفكرة.
ترجمة محتوى من لغة أخرى
قد يترجم الباحث محتوى من الصينية إلى العربية، أو من الإنجليزية إلى العربية، مع الاحتفاظ بأفكاره وبنيته، ثم لا يظهر تطابق واضح إذا كان البرنامج لا يقارن بفاعلية بين اللغات.
لكن بعض الأنظمة توفر مطابقةً مترجمةً بين اللغات. فعند تفعيل خاصية المطابقة المترجمة (Translated Matching) في تيرنتن، يستطيع النظام التعرف على لغة الوثيقة، وترجمة النص إلى الإنجليزية، ثم مقارنته بالمصادر الإنجليزية. ويتوقف توفر هذه الخاصية على نوع الترخيص وإعدادات الحساب والتكامل المستخدم. (Turnitin Guides)
لذلك، لا تضمن ترجمة النص اختفاء التطابق، كما تختلف قدرة البرامج على كشفه بحسب اللغات وقواعد البيانات والخصائص المتاحة.
استخدام مصدر غير موجود في قاعدة البيانات
لا يستطيع البرنامج مقارنة البحث بمصدر لا يمكنه الوصول إليه، مثل:
- كتاب غير مفهرس.
- رسالة غير متاحة إلكترونياً.
- ملف داخلي.
- محاضرة.
- مخطوطة غير منشورة.
- مشروع بحثي سري.
- محتوى داخل قاعدة مغلقة لا تشملها خدمة الفحص.
غياب التطابق في هذه الحالة لا يعني أن النص أصلي، بل قد يعني أن المصدر غير موجود ضمن نطاق البحث.
انتحال الصور أو البيانات
تركز برامج التشابه النصي أساساً على الكلمات، ولذلك قد لا تكشف:
- الصور المنقولة.
- الرسوم المعدلة.
- الجداول المعاد إنشاؤها.
- البيانات المأخوذة من مشروع آخر.
- النتائج الرقمية التي تغير شكل عرضها.
- الأفكار البحثية غير المنشورة.
وقد يحصل البحث على نسبة منخفضة جداً رغم احتوائه على مخالفة خطيرة.
إعادة الصياغة المضللة
قد يعيد الباحث بناء النص بطريقة تمنع اكتشاف التطابق الحرفي، مع استمرار الاعتماد الكامل على مصدر واحد وعدم توثيقه.
قد لا يكتشف البرنامج ذلك بسهولة، لكن غياب التطابق لا يحوّل الفكرة إلى إنتاج أصلي.
شراء البحث أو الاستعانة بكاتب آخر
قد يكون النص الذي كتبه شخص آخر جديداً تماماً، ومن ثم يحصل على نسبة تشابه منخفضة.
لكن تقديمه على أنه من كتابة الطالب أو الباحث يمثل تضليلاً في التأليف وغشاً أكاديمياً، حتى إذا لم يحتوي على نسخ حرفي.
تطابق محدود لكنه جوهري
قد تكون النسبة الإجمالية 2% فقط، لكن الجزء المتطابق يتضمن:
- فرضية الدراسة.
- نتيجةً رئيسيةً.
- فقرةً مركزيةً في المناقشة.
- استنتاجاً أصلياً.
- فكرةً غير منشورة.
خطورة التطابق لا تعتمد على حجمه فقط، بل على نوع المادة وموقعها وأهميتها.
وتوضح تيرنتن أن الدرجة المرتفعة لا تثبت الانتحال، كما أن الدرجة المنخفضة لا تثبت غيابه. (Turnitin Guides)
هل توجد نسبة تشابه مقبولة لجميع الأبحاث؟
لا توجد نسبة عالمية واحدة تنطبق على جميع:
- الجامعات.
- المجلات.
- التخصصات.
- أنواع البحوث.
- الرسائل الجامعية.
- اللغات.
- أقسام المخطوطة.
قد تضع بعض الجامعات أو المجلات حدوداً رقميةً داخلية، مثل اشتراط ألا تتجاوز الدرجة الكلية نسبة معينة، أو ألا يتجاوز التطابق مع مصدر واحد حداً محدداً.
لكن يجب التمييز بين الأمرين:
الحد الذي تضعه الجامعة أو المجلة معيار إداري للفحص الأولي، وليس تعريفاً للانتحال ولا شهادةً بسلامة البحث.
فقد يلتزم البحث بالحد الرقمي المطلوب، ومع ذلك يحتوي على نقل غير مشروع من مصدر واحد. وقد يتجاوز الحد بسبب المراجع أو الاقتباسات أو النسخ الأولية أو مواد أخرى تحتاج إلى الاستبعاد أو التفسير.
وتحذر كروس ريف من اعتماد نسبة محددة يؤدي تجاوزها تلقائياً إلى رفض المخطوطة، وتؤكد ضرورة مراجعة طبيعة التطابقات وسياقها. (www.crossref.org)
لماذا لا تكفي النسبة الإجمالية؟
تجمع النسبة الإجمالية جميع التطابقات داخل رقم واحد، لكنها لا توضح وحدها:
- طبيعة النص المتطابق.
- مصدر التطابق.
- موقعه داخل البحث.
- ما إذا كان موثقاً.
- ما إذا كان اقتباساً مشروعاً.
- ما إذا كان منقولاً من مصدر واحد أو مصادر كثيرة.
- ما إذا كان يعود إلى عمل سابق للباحث.
- ما إذا كان مصدره نسخةً أوليةً أو مسودةً سابقة.
- ما إذا كان النص عاماً أم يمثل فكرةً أصليةً.
ولهذا يجب الانتقال من السؤال:
كم بلغت النسبة؟
إلى السؤال:
ما سبب كل تطابق، وهل استُخدمت المادة بطريقة علمية سليمة؟
الفرق بين النسبة الإجمالية والتطابق مع مصدر واحد
قد يتكون تقرير تبلغ نسبته 20% من عشرات التطابقات القصيرة الموزعة على مصادر متعددة.
وقد يتكون تقرير آخر بالنسبة نفسها من تطابق يبلغ 18% مع مصدر واحد.
الحالتان لا تحملان المعنى نفسه.
قد يكون التطابق الكبير والمتصل مع مصدر واحد أكثر إثارةً للقلق من تطابقات قصيرة موزعة بين المراجع والعبارات العامة.
لكن هذه ليست قاعدةً مطلقةً؛ فقد يكون المصدر الكبير:
- نسخةً سابقةً من البحث نفسه.
- رسالة الباحث الجامعية.
- بروتوكولاً منشوراً للدراسة.
- نسخةً أوليةً للمخطوطة.
- مستودعاً حفظ تسليماً سابقاً.
لذلك يجب فتح المصدر ومقارنة النصين، لا الاكتفاء بنسبة المصدر.
هل تختلف أهمية التشابه بحسب قسم البحث؟
نعم. فالتطابق لا يحمل المعنى نفسه في جميع أجزاء المخطوطة.
العنوان والملخص
قد تتشابه بعض العناوين بسبب استخدام أسماء الأمراض والتدخلات والنتائج نفسها. لكن الملخص يفترض أن يقدم الدراسة الحالية بصورة مركزة، ولذلك فإن التطابق الواسع في نتائجه أو استنتاجه يحتاج إلى مراجعة دقيقة.
المقدمة
قد تتكرر الحقائق العامة والتعريفات، لكن ترتيب الحجج وصياغتها يجب أن يعكسا فهم الباحث وتركيبه للمصادر.
أما إعادة صياغة مصدر واحد فقرةً بعد فقرة، فقد تمثل كتابةً ترقيعيةً حتى إذا لم ترتفع النسبة كثيراً.
المواد والطرق
يكون التشابه أكثر شيوعاً في هذا القسم بسبب الإجراءات القياسية. ومع ذلك، يجب التمييز بين عبارة منهجية محدودة لا تملك بدائل كثيرة وفق الدقة المطلوبة، وبين نسخ فقرات كاملة أو أخذ طريقة مبتكرة من فريق آخر دون توثيق.
النتائج
يُفترض أن تعرض النتائج بيانات الدراسة الحالية. ولذلك فإن التشابه النصي أو الرقمي مع نتائج بحث آخر يحتاج إلى تفسير واضح، وقد يشير إلى استخدام قاعدة بيانات مشتركة، أو نشر متداخل، أو خطأ، أو نقل غير مشروع.
المناقشة
تتضمن المناقشة تفسير النتائج وربطها بالأدلة السابقة، وتمثل جانباً رئيسياً من الإسهام الفكري للباحث. ولهذا يكون التطابق الواسع فيها أكثر حساسيةً من تكرار عبارة منهجية محدودة.
قائمة المراجع
التطابق داخل قائمة المراجع متوقع، لكنه قد يكشف أحياناً نسخ قائمة مراجع من بحث آخر من دون قراءة المصادر الأصلية.
ومن علامات ذلك:
- وجود مراجع لا تدعم النص.
- تكرار الأخطاء نفسها الموجودة في قائمة أخرى.
- إدراج مصادر لا علاقة لها بالموضوع.
- عدم قدرة الباحث على الوصول إلى المرجع أو شرح محتواه.
ثلاثة أمثلة توضح الفرق
المثال الأول: نسبة مرتفعة بسبب تطابقات مشروعة
حصل بحث على نسبة تشابه بلغت 28%.
وبعد المراجعة تبيّن أن معظمها يعود إلى:
- قائمة المراجع.
- اقتباسات موثقة.
- عبارات الموافقة الأخلاقية.
- نسخة أولية نشرها المؤلفون.
- عبارات منهجية قصيرة.
لا يمكن الحكم بأن البحث منتحل اعتماداً على النسبة الكلية وحدها، بل يجب تقييم كل تطابق وفق سياقه.
المثال الثاني: نسبة منخفضة مع نقل جوهري
حصل بحث على نسبة بلغت 6%.
لكن معظم التطابق جاء من فقرة أساسية في المناقشة منقولة من مقال واحد، مع تغيير كلمات محدودة وعدم ذكر المصدر.
رغم انخفاض النسبة الإجمالية، فإن طبيعة التطابق وموقعه قد يجعلان المشكلة جوهرية.
المثال الثالث: تطابق مع رسالة الباحث
حصل مقال على نسبة 45%، وكان معظم التطابق مع رسالة الدكتوراه الخاصة بالمؤلف.
لا يمثل ذلك تلقائياً انتحالاً لأعمال الآخرين، لكنه يحتاج إلى مراجعة:
- هل ذُكرت الرسالة؟
- هل المقال مشتق منها بوضوح؟
- هل أُعيد استخدام نص واسع؟
- هل البيانات منشورة سابقاً؟
- ما الإضافة الجديدة؟
- هل تسمح المجلة بهذا النوع من التداخل؟
أخطاء شائعة عند تفسير نسبة التشابه
اعتبار النسبة الأقل من 10% آمنةً دائماً
قد تتضمن نسبة صغيرة نصاً قصيراً لكنه جوهري أو منقولاً من مصدر واحد.
اعتبار النسبة المرتفعة دليلاً قاطعاً على الانتحال
قد تعود نسبة كبيرة إلى المراجع والاقتباسات والنسخ السابقة والمواد المؤسسية.
محاولة الوصول إلى نسبة صفر
ليست النسبة الصفرية هدفاً علمياً بحد ذاتها. فقد تظهر بعض التطابقات الطبيعية في الأبحاث الطويلة التي تحتوي على مصطلحات ومراجع ووصف منهجي.
كما قد يعرض التقرير نسبة 0% رغم وجود تطابقات محدودة جداً إذا كانت النتيجة الفعلية صغيرة إلى درجة جرى تقريبها إلى الصفر. (Turnitin Guides)
حذف المراجع لتقليل النسبة
حذف الاستشهادات قد يخفض الرقم، لكنه يحول المادة إلى نص غير موثق ويزيد المشكلة بدلاً من معالجتها.
استبدال الكلمات بمرادفات
تغيير الكلمات آلياً لا يعالج الاعتماد على المصدر، وقد يؤدي إلى تشويه المعنى العلمي وإنتاج نص ركيك.
استبعاد جميع المصادر المتطابقة
تُستخدم المرشحات والاستبعادات لتنقية التقرير والتركيز على التطابقات المهمة، وليس لتجميل النسبة أو إخفاء المشكلات.
كما أن تطبيق الاستبعادات قد يخفض الدرجة أو لا يغيرها بسبب وجود مصادر متداخلة للنص نفسه. (Turnitin Guides)
التركيز على الرقم دون قراءة المصادر
لا يمكن تفسير التقرير تفسيراً سليماً من دون فتح مواضع التطابق ومقارنتها بالمصادر الأصلية.
هل نية الباحث ضرورية للحكم بوجود مشكلة؟
لا تحدد النية وحدها ما إذا كان استخدام المصدر صحيحاً.
فقد يحتوي البحث على نقل غير مقبول يحتاج إلى التصحيح، حتى عندما وقع بسبب ضعف التوثيق أو الخطأ غير المتعمّد.
لكن النية، ودرجة الإهمال، وحجم المادة، وأهميتها، وسياق استخدامها تظل عوامل مهمةً عند تحديد طبيعة المخالفة والإجراء المناسب وفق سياسة المؤسسة.
هل تقرير التشابه يكشف الكتابة بالذكاء الاصطناعي؟
فحص التشابه النصي والكشف عن الكتابة المولّدة بالذكاء الاصطناعي (AI-Writing Detection) وظيفتان مختلفتان.
فحص التشابه يبحث عن نصوص تطابق مصادر موجودة في قواعد البيانات. أما أداة كشف الكتابة بالذكاء الاصطناعي فتحاول تقدير ما إذا كانت خصائص النص تشبه الكتابة الناتجة عن أدوات التوليد الآلي.
ولهذا قد يحصل نص مولّد بالذكاء الاصطناعي على نسبة تشابه منخفضة، كما قد يحصل نص كتبه إنسان على مؤشر اشتباه في إحدى أدوات الكشف.
وتوضح تيرنتن أن مؤشر الكتابة بالذكاء الاصطناعي مستقل عن درجة التشابه، وأن نموذج الكشف قد يخطئ في تصنيف النصوص، ولذلك لا ينبغي استخدامه وحده أساساً لاتخاذ إجراء سلبي ضد الطالب أو الباحث. (Turnitin Guides)
كيف يتعامل الباحث مع التقرير مبدئياً؟
سيخصص المقال السابع من السلسلة لشرح قراءة التقرير خطوةً بخطوة، لكن المراجعة المبدئية تقوم على خمس خطوات:
- عدم إصدار حكم من النسبة الإجمالية وحدها.
- مراجعة أكبر المصادر المتطابقة.
- تحديد موقع كل تطابق داخل البحث.
- التحقق من التوثيق والاقتباس وإعادة الصياغة.
- تصحيح الاستخدام غير السليم ثم إعادة الفحص عند الحاجة.
ولا يكون الهدف تغيير الكلمات حتى يختفي التلوين، بل التأكد من أن كل فكرة أو نص أو مادة قد استُخدمت ونُسبت إلى مصدرها بصورة سليمة.
قائمة مراجعة سريعة
قبل الحكم على تقرير التشابه، اسأل:
- هل راجعت مواضع التطابق أم نظرت إلى النسبة فقط؟
- هل يتجمع التطابق في مصدر واحد؟
- في أي قسم من البحث يوجد التشابه؟
- هل النص اقتباس موثق أم نقل غير مميز؟
- هل المصدر يعود إلى عمل سابق للباحث؟
- هل توجد نسخة أولية أو رسالة جامعية مرتبطة بالبحث؟
- هل طُبقت الاستبعادات وفق سياسة المؤسسة؟
- هل توجد أفكار أو صور أو بيانات لا يستطيع التقرير كشفها؟
- ما الحد والسياسة المعتمدان لدى الجامعة أو المجلة؟
- هل يحتاج التقرير إلى مراجعة مشرف أو محرر متخصص؟
الخلاصة
الانتحال العلمي والتشابه النصي مفهومان مرتبطان، لكنهما ليسا مترادفين.
فالتشابه النصي يعني أن برنامج الفحص عثر على كلمات أو عبارات تتطابق أو تتقارب مع مصادر موجودة في قواعد بياناته. أما الانتحال فيعني استخدام كلمات أو أفكار أو بيانات أو إنتاج علمي بصورة تضلل القارئ بشأن مصدره أو أصالته.
وقد تكون نسبة التشابه مرتفعة بسبب المراجع والاقتباسات والعبارات المنهجية والنسخ الأولية والمسودات السابقة، من دون أن تثبت وجود الانتحال.
وفي المقابل، قد تكون النسبة منخفضة رغم وجود استيلاء على فكرة أو بيانات أو صور أو محتوى مترجم أو نص مأخوذ من مصدر لا يستطيع البرنامج الوصول إليه.
ولهذا لا توجد نسبة واحدة تكفي للحكم على جميع البحوث، ولا ينبغي قبول البحث أو رفضه اعتماداً على الرقم الإجمالي وحده.
القيمة الحقيقية لتقرير التشابه لا تكمن في الحصول على نسبة منخفضة، بل في فهم سبب كل تطابق، ومراجعة طريقة استخدام المصدر، وتصحيح أي نقل أو توثيق غير سليم.
لكن كيف تعثر هذه البرامج على النصوص المتشابهة؟ وما قواعد البيانات التي تبحث فيها؟ ولماذا تختلف نتيجة الوثيقة نفسها من برنامج إلى آخر؟
هذا ما سنتناوله في المقال الثالث من السلسلة:
سلسلة الانتحال العلمي وفحص التشابه: كيف تعمل برامج فحص التشابه؟
اقرأ أيضًا ضمن السلسلة: ما الانتحال العلمي وما أنواعه؟، وكيف تعمل برامج فحص التشابه؟، وكيفية خفض نسبة التشابه بطريقة علمية.



